دراسات إسلامية

 

 

المقاصد الشرعية للفريضة الجامعة

 

 

بقلم :      د/ محمد الدسوقي

 

 

 

 

     بيّن الحق سبحانه وتعالى في كتابه العزيز أنه أرسل أنبياءه مبشرين ومنذرين؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وأن التشريعات التي كتبها عليهم إنما كتبها لمصلحتهم، ولم تفرض عبثا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، كذلك لم تفرض لمجرد الرغبة في التشريع، ولكنها فرضت ليحقق الله لخلقه مصالح معينة لاتستقيم حياتهم في الدنيا والآخرة بدونها.

     ويراد بالمقاصد الشرعية للأحكام التكليفية المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة(1)، أو هي الغاية من الشريعة، والكشف عن الأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها(2)، أو أن المقاصد هي تحقيق المصالح للعباد في الدنيا والآخرة بجلب المنافع لهم ودفع المضار عنهم، وإخلاء المجتمع من المفاسد، حتى يقوم الناس بوظيفة الخلافة في الأرض(3)!

     فهذه التعريفات ونحوها وإن اختلفت صياغتها تتحد معنى، فهي تتوخى بيان الغرض الأسمى من الشريعة، وهو جلب المنافع والمصالح للناس كافة، ودفع المفاسد والمضار عنهم، ويرشد إلى ذلك أن كثيرًا من الأحكام تعلل بما يبين أحياناً الحكمة من تشريعها، أو المصلحة التي تتضمنها، وأحياناً المضار التي تترتب على التفريد فيها وعدم الأخذ بها.

     ويراد بالفريضة الجامعة الحج إلى بيت الله الحرام؛ لأن هذه الفريضة تجب على المستطيع من المسلمين في زمان واحد ومكان واحد، فللحج أشهر معلومات ومناسك معينة لاسبيل إلى أدائها إلا في هذه الأشهر وفي رحاب الكعبة المشرفة، ومن ثم ينفرد الحج بهذه الخصيصة عن سائر الشعائر التعبدية. ولهذه الفريضة الجامعة مقاصد شرعية بعضها عام، وبعضها الآخر خاص بكل منسك من مناسكها.

أما المقاصد العامة فأهمها ما يلي:

     أولاً: ذكر القرآن الكريم أن من مقاصد الحج العامة شهود المنافع وذكر اسم الله في أيام معلومات قال تعالى موجهاً الخطاب لخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ سورة الحج الآيتان 27، 28.

     فالآية الكريمة تقرر أن من مقاصد الحج شهود المنافع وذكر اسم الله، والشهود معناه الحضور، ووردت كلمة المنافع عامة لم تقيد بنوع دون نوع ولا ناحية دون ناحية، وهي بعمومها وإطلاقها تشمل كل ما ينفع الفرد(4) والجماعة ويعود على الأمة في دينها ودنياها بالخير والإصلاح.

     إنها منافع القوة للأمة بالحفاظ على وحدتها، والاعتصام بحبل ربها، والاهتمام الجاد بمشكلاتها، والعمل المخلص في سبيل دفع الشر عنها ووقايتها أسباب الضعف والهزيمة أمام أعدائها.

     على أن المنافع بهذا الإطلاق والعموم تومئ إلى أن لكل جيل ولكل عصر ما يناسب ظروفه وحاجاته وتجاربه من المنافع، وهذا من براهين أن الخطاب القرآني لكل زمان وكل مكان، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

     وأما ذكر اسم الله وإن كان مطلوباً في كل حين فهو في أيام الحج ذكر في مقامات أو شعائر مباركة، إنه ذكر في أول بيت وضع للناس، وفي مكان اختاره الله ليكون مركز الرسالة الدينية لأعظم داع إلى حياة العبودية الكاملة لله، وهو إبراهيم عليه السلام، وهذا المكان هو الذي وقعت على ترابه الأحداث المجيدة التي صاغت تاريخ بدء الإسلام، وتنتشر حوله آثار الدعوة الخاتمة التي تحققت قبل أربعة عشر قرناً بقيادة خاتم الأنبياء والمرسلين الذي أرسله ربه رحمة للعالمين.

     ولأثر الذكر في تلك المقامات في الاعتصام بحبل الله، كان للحج بين العبادات منزلة خاصة، ومن ثم كان أفضلها كما جاء في بعض الأحاديث النبوية وكان الحج المبرور أي الذي لايخالطه إثم ليس له جزاء إلا الجنة(5).

     ثانياً: إن الأمة الإسلامية وإن تباينت لساناً ولوناً أمة واحدة، وأن أساس وحدتها هو عقيدتها وإيمانها، فوفود الرحمن الذين أتوا من كل فج عميق جمعهم في تلك البقاء الطاهرة إيمانهم بالله الواحد الأحد، وبما بعث به محمد ­صلى الله عليه وسلم للناس كافة، وهذا الإيمان هو وحده مناط قوتهم وعزتهم وبدونه تذهب ريحهم ولايكونون خير أمة أخرجت للناس.

     وتتجلى معاني الوحدة بين المسلمين في الحج في انصهار كل أعراض الحياة من مال وجاه وقوميات وجنسيات ولغات وعادات في بوتقة الإيمان، فهم جميعاً في مظهر واحد، ويؤدون مناسك واحدة، ويتفاهمون فيما بينهم بلغة لا تعرفها الألسن، وإنما تنطق بها مشاعر القلوب وعواطف الوجدان وروابط الإخاء والمحبة.

     ثالثاً: إن الحج يمثل مؤتمرًا سنويّاً يلتقي فيه الحجيج من شتى الأقطار والشعوب في رحاب البيت الحرام وفي ذلك الجو الروحاني الخالص، ليكون لقاؤهم فرصة لانظير لها للتشاور والتدارس والوقوف على كل ما ينفع الأمة ويدعم وحدتها وقوتها ويدفع عنها السلبية والفردية.

     إن هذا المؤتمر يتجلى في يوم عرفة، فالحجاج يلتقون غالباً في هذا المكان للنسك والطاعة ولشهود مؤتمر جامع ينعقد بدعوة من الله في كل عام في هذه الساحة المترامية الأطراف، مؤتمر يذكر المسلمين بأنهم جميعاً سواسية لايتفاوتون إلا بما قدم كل منهم من عمل صالح وأن يكونوا جميعاً يدًا واحدة على من يعتدى على أحدهم، وأن يتواصوا بالاستعداد الشامل الذي يلائم كل عصر وبيئة للذود عن العزة الإسلامية والكرامة الإنسانية، فلا يعلو في الأرض سلطان فوق سلطان الله، ولايتعرض المسلمون لأي لون من ألوان الامتهان في دينهم ودنياهم.

     والمسلمون في كل عام في هذا المؤتمر يعيشون ذكرى ذلك المؤتمر الأول الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إمامه ورائده، وكأنهم من وراء أربعة عشر قرنا من الزمان يشاهدون تلك الجموع الضخمة من المسلمين والتي بلغ عددها نحو مائة ألف، لقد خاطب الرسول تلك الجموع الغفيرة فدعاها إلى الاعتصام بحبل الله وحذرها عواقب الفرقة ووضع المبادئ الحضارية التي تمضي مع الزمن لتصنع الأمة التي أصبحت مسؤولة عن رسالة عالمية للبشرية قاطبة، ولن نستطيع حمل هذه المسؤولية حتى تكون صورة عملية لهذه الرسالة.

     وكان الرسول صلى الله عليه وسلم - وهو يتولى ذلك المؤتمر الحاشد ينظر من خلال الغيب إلى المؤتمرات التي ستتعاقب من الغيب إلى المؤتمرات التي ستتعاقب من بعده على ساحة عرفات، ليرى جموعاً متناثرة هنا وهناك ليس بينهم وحدة تجمع شملهم، وهم يجيئون ثم يعودون من حيث أتوا، ومشاكلهم كما تركوها وراءهم لا يلتمسون لها حلّاً، وقضاياهم كما خلفوها في بلادهم لايعرضونها أمام إخوانهم في الدين لتجد الدراسة والفصل والحسم، ولايفكرون في مجرد التعارف فضلاً عن التشاور والتآلف.

     رابعاً: ومن المقاصد العامة للحج أن أرض الحرم بمكة وهي محددة المعالم من جميع الجوانب التي تحيط بأم القرى حرمها الله يوم خلق السماوات والأرض، وهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، ومن ثم كانت دار أمن وسلام لمن عاش فيها أو دخلها، وهو أمن شامل للإنسان والحيوان والنبات، فهي لذلك أول بقعة في الأرض صارت محمية إلهية. قال تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ سورة البقرة آية197. ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ سورة البقرة آية 125. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ سورة البقرة آية 126.

     والمسلم الذي يعيش في هذه المحمية فترة من الزمن تطول أو تقصر تتشرب روحه معاني الحماية لكل بقاع الأرض، ويخشى أن تمتد يده بالأذى لكل إنسان أو حيوان أو نبات أو شجر؛ فرحلة الحج كلها فترة تدريب على عدم التعرض بالأذى للإنسان أو الحيوان والنبات في كل مكان، فليس تحريم قطع الأشجار وصيد الحيوان وإيذاء الآخرين في الأرض المقدسة إلا تدريباً عمليّاً تهيمن عليه مشاعر الخشية من الله للالتزام بهذا في كل بقعة من بقاع الأرض. ولا ريب أن هذا مقصد مهم من مقاصد الفريضة الجامعة، إنه مقصد السلام الشامل والأمن الصحيح.

     ويضاف إلى هذه المقاصد العامة مقصد التذكير بيوم النشور، فهذه الثياب التي يرتديها الحجيج في إحرامهم لاتكاد تختلف عن ثياب الكفن، وهذا التذكير خير عاصم للإنسان من يراه الله حيث نهاه، وإنما يحرص أبلغ الحرص على أن يكون حيث أمره مولاه.

     وأما المعاني الخاصة بكل منسك من مناسك الحج فإن الإحرام وهو أول هذه المناسك ليس تجردًا من مظاهر الحياة المادية فحسب، ولكنه في جوهره يرمز إلى التجرد من شهوات النفس والهوى، وحبسها عن كل ماسوى الله.

     وإذا كان من شعائر الإحرام «التلبية» فإن الحاج يسجل على نفسه بهذا الشعار أنه في مكان السمع والطاعة لأوامر الله، وفي مكان المسارعة إلى إجابته الدائمة فيها، وأنه سبحانه وهو صاحب الملك والنعمة والحياة والممات لايحمد ولا يشكر ولا يجاب أحد سواه.

     ويعلمنا السعي بين الصفا والمروة أن يكون مسعانا داخل حدود معينة شرعها الله دون أن نتجاوز أو نتفلت بعيدًا عن دائرة الجماعة الإسلامية.

     إن هذا السعي مظهر من مظاهر الالتجاء والتردد بجانب بيت الله بعد الطواف به طلباً للمغفرة، والتماساً للعفو، وفيه بعد ذلك استحضارا لذكرى الحالة التي كانت عليها السيدة هاجر وهي تسعى طلباً للماء والسقيا لوليدها إسماعيل، فعرفت منبعه، وقضت به حاجتها، ثم كان سبباً في عمارة هذا الإقليم وامتلائه خيرًا وبركة(6).

     وليس رمي الجمار إلا رمزًا عمليًّا يعلن به الحاج تصميمه على ترك نوازع النفس الشريرة، وتكريره تأكيد لهذا التصميم، وفيه إلى هذا تشبه بإبراهيم عليه السلام؛ حيث عرض له إبليس اللعين في ذلك الموضع ليدخل على حجة شبهة أو يفتنه بمعصية فأمره الله تعالى أن يرميه بالحجارة طردًا له وقطعاً لأمله، فبقي الرمي مشروعاً بعد ذلك تعبيرًا عن إظهار العبودية الحقة لله، ورمزًا ماديّاً لصدق العزيمة في مقاومة الشيطان ومقت واحتقار عوامل الشر، وأسباب الفساد والعصيان.

     وأما الذبح فهو رمز للتضحية والفداء على مشهد من جند الله الأطهار الأبرار.

     ويأتي طواف الوداع ليكون بمثابة استئذان في الانصراف، وتجديد العهد: عهد الولاء والإقامة على تلبية الله في شرعه ودينه(7).

     وخلاصة القول إن كل مناسكه ومقاصده تصل بين الخالق والمخلوق، وتحقق معنى العبودية الخالصة لله رب العالمين، كما تؤكد وحدة الأمة وتكافلها وتعاونها وتكاملها والمسؤولية المشتركة بين الجميع لمعالجة مشكلاتها والوقوف صفاً واحداً أمام التحديات التي تتربص بها وما أكثرها في هذا العصر، فهل يعي وفود الرحمن معاني الحج وحكمه حتى لاتطغى المظاهر الشكلية على القيم التشريعية، وحتى يظل الحج بمناسكه طاقة روحية توثق بين المؤمنين روابط الأخوة، وتنفي عنها كل دوافع السلبية والفردية، وتقودها إلى حياة العزة والكرامة والشهادة على غيرها من الأمم، فالله الله في الحج، ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ سورة الحج آية 40.

*  *  *

المصادر:

(1)         انظر مقاصد الشريعـــة الإسلاميـة للشيخ الطاهر بن عاشور ص 51 ط تونس.

(2)         انظر مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها للمجاهد علال الفاسي ص3 ط الدار البيضاء.

(3)         انظر أصول الفقه الإسلامي للشيخ شلبي ص 523 ط بيروت.

(4)         انظر الإسلام عقيدة وشريعة للشيخ شلتوت ص 132 ط دار الشروق.

(5)         انظر حقيقة الحج لوحيد الدين خان ص 16، 17.

(6)         الإسلام عقيدة وشريعة ص 128.

(7)         المصدر السابق ص 125.

*  *  *

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، رمضان - شوال 1433هـ = يوليو - سبتمبر 2012م ، العدد : 9-10 ، السنة : 36